محمد بن جرير الطبري

316

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قوله : بِالْمَعْرُوفِ فإن معناه : بالإِجمال والإِحسان وترك البخس والظلم فيما وجب للمراضع القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ يعني تعالى ذكره بقوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ وخافوا الله فيما فرض لبعضكم على بعض من الحقوق ، وفيما ألزم نساءكم لرجالكم ورجالكم لنسائكم ، وفيما أوجب عليكم لأَولادكم ؛ فاحذروه أن تخالفوه فتعتدوا في ذلك وفي غيره من فرائضه وحقوقه وحدوده ، فتستوجبوا بذلك عقوبته ، واعلموا أن الله بما تعملون من الأَعمال أيها الناس سرها وعلانيتها ، وخفيها وظاهرها ، وخيرها وشرها ، بصير يراه ويعلمه ، فلا يخفي عليه شيء ، ولا يغيب عنه منه شيء ، فهو يحصي ذلك كله عليكم حتى يجازيكم بخير ذلك وشره ومعنى بصير ذو إبصار ، وهو في معنى مبصر القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً يعني تعالى ذكره بذلك : والذين يتوفون منكم من الرجال أيها الناس ، فيموتون ويذرون أزواجا يتربصن أزواجهن بأنفسهن فإن قال قائل : فأين الخبر عن الذين يتوفون ؟ قيل : متروك لأَنه لم يقصد قصد الخبر عنهم ، وإنما قصد قصد الخبر عن الواجب على المعتدات من العدة في وفاة أزواجهن ، فصرف الخبر عن الذين ابتدأ بذكرهم من الأَموات إلى الخبر عن أزواجهم والواجب عليهن من العدة ، إذ كان معروفا مفهوما معنى ما أريد بالكلام ، وهو نظير قول القائل في الكلام : بعض جبتك متخرقة ، في ترك الخبر عما ابتدئ به الكلام إلى الخبر عن بعض أسبابه وكذلك الأَزواج اللواتي عليهن التربص لما كان إنما ألزمهن التربص بأسباب أزواجهن صرف الكلام عن خبر من ابتدئ بذكره إلى الخبر عمن قصد قصد الخبر عنه ، كما قال الشاعر : لعلي إن مالت بي الريح ميلة * على ابن أبي ذبان أن يتندما فقال " لعلي " ، ثم قال " أن يتندما " ، لأَن معنى الكلام : لعل ابن أبي ذبان أن يتندم إن مالت بي الريح ميلة عليه فرجع بالخبر إلى الذي أراد به ، وإن كان قد ابتدأ بذكر غيره ومنه قول الشاعر : ألم تعلموا أن ابن قيس وقتله * بغير دم دار المذلة حلت فألغى " ابن قيس " وقد ابتدأ بذكره ، وأخبر عن قتله أنه ذل وقد زعم بعض أهل العربية أن خبر الذين يتوفون متروك ، وأن معنى الكلام : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ينبغي لهن أن يتربصن بعد موتهم ؛ وزعم أنه لم يذكر موتهم كما يحذف بعض الكلام ، وأن " يتربصن " رفع إذ وقع موقع ينبغي ، وينبغي رفع وقد دللنا على فساد قول من قال في رفع يتربصن بوقوعه موقع ينبغي فيما مضى ، فأغنى عن إعادته وقال آخرون منهم : إنما لم يذكر " الذين " بشيء ، لأَنه صار الذين في خبرهم مثل تأويل الجزاء : من يلقك منا تصب خيرا ، الذي يلقاك منا تصيب خيرا قال : ولا يجوز هذا إلا على معنى الجزاء ، وفي البيتين اللذين ذكرناهما الدلالة الواضحة على القول في ذلك بخلاف ما قالا وأما قوله : يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ فإنه يعني به : يحتبسن بأنفسهن معتدات عن الأَزواج والطيب والزينة والنقلة عن المسكن الذي كن يسكنه في حياة أزواجهن أربعة أشهر وعشرا عدة المتوفي عنها زوجها إلا أن يكن حوامل ، فيكون عليهن من التربص كذلك إلى حين وضع حملهن ، فإذا وضعن حملهن انقضت عددهن حينئذ وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم مثل ما قلنا فيه حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ،